أحداث درامية تتابع سريعا في اليمن، مظاهرات لا تكل ولا تمل، الرئيس اليمني على عبد الله صالح تعرض لمحاولة إغتيال لم تنجح، المعارضون بدأوا الدخول مبكرا في مرحلة الخلاف بعد أن بدأت في اليومين الماضيين فئات منهم تعلن عن تشكيل مجالس وطنية لحكم البلاد. هذه الأحداث تتكشف في ذات الوقت الذي ينشط فيه تنظيم القاعدة الارهابي لاحكام قبضته على البلاد.
اليمن إذن منقسم والخوف أن يتقسم، فالشعب منقسم ولربما محتار ما بين مؤيد ومعارض للرئيس علي عبد الله صالح، أيضا العالم كله بما فيه الدول العربية منقسمون حول ما يحدث في اليمن ما بين مراقب ومتفرج، ومؤيدعلى مضض، أو معارض باستحياء.
المعارضة اليمنية تريد التغيير، تطالب برحيل الرئيس علي عبد الله صالح وجميع رموزه السياسية. نعم هم يعتقدون أن الرئيس اليمني أطال في زمن حكمه ووصلت سياساته التنموية والاصلاحية الى طريق مسدود.
اما مؤيدوا الرئيس علي عبد الله صالح فهم يؤكدون أنه الرجل الذي تمكن من توحيد اليمن ومضى بها في طريق التنمية والتحديث، بل ونقلها في السنوات الماضية من مرحلة التخلف إلى مرحلة النمو.
هنا من الواضح أن القسمة قد يراها البعض عادلة ومنصفة من مختلف النواحي السياسية والاجتماعية، فاليمن مجتمع قبلي لازالت فيه مشاعر الولاء والإنتماء القبلية تفوق مشاعر الولاء والانتماء الوطني لليمن كدولة، بل وتتخطى محاذير الولاء السياسي لليمن كوحدة سياسية مترابطة وموحدة.
بيد أن تلك القسمة لا يمكن أن يكتب لها البقاء ناهيكم عن الإستمرار طويلا لما فيها من مخاطر سياسية وأمنية عظيمة تهدد أمن واستقرار اليمن، بل ورفاهية شعبه ببعدتدني الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بفضل عدم الإستقرار السياسي. اليمن إذن يترنح جراء ثقل المشاكل السياسية والأزمات الإقتصادية خصوصا من وطأة الفقر والجهل والمرض وبالطبع الفساد.
ألامراض هذه التي تعصف بشعبه من كل حدب وصوب تتواصل ممعنة في تناقص الموارد وتجفيف مصادرها، وفي ندرة مصادر الرزق والعيش منابعها بعد أن تفاقمت أعداد من يحتكرونها ويقسمونها على أقسام محدودة.
اليمن لا يختلف عن تونس، مصر، وسوريا، فالمنطقة العربية بدورها تعاني من مرحلة مخاض سياسي عقيمة لم تنتهي حتى الآن منذ شهور طويلة تحديدا ما أن بدأت مرحلة ما يسمى “بربيع الثورات العربية”. إنهماك معظم دول المنطقة في تطبيب الجراح التي الحقت بها بفعل فاعل من خارجها وبمساعدة فئات محددة من مواطنيها من الداخل. هنا لا نقول أننا ضد هؤلاء أو مع هؤلاء، فالقول الفصل ليس لنا وإنما للشعوب العربية.
هذا ما قد يفسر الحيرة العميقة التي انزلقت في متاهاتها بعض حكومات الدول العربية تجاه كيفية معالجة حالات المخاض السياسية الفجائية التي تواجهها من جهة، ومن الجهة الأخرى في كيفية الحفاظ على سائل دعم ومساندة حكومات الدول الاقليمية والدولية. بل وأيضا في حيرة المجتمع الدولي في طرق وسبل التعاطي مع الدول العربية التي تواجه انتفاضات ومظاهرات صاخبة.
إن ساندت الحكومات ونجحت الشعوب، فلربما القطيعة أو المماحكة السياسية والدبلوماسية مع الحكومات الجديدة. وإن ناصرت الشعوب ونجحت الحكومات فإنها لن تسلم أيضا من سياسات تصفية الحسابات التي لا مفر منها ولا مهرب بعد أن تنفض عن كواهل الحكومات مخاطر تلك المرحلة. من الأفضل إذن التزام سياسة المراقبة والحياد في هذا الوقت المهول بعدم اتخاذ أي سياسة حيال ما يدور من أحداث درامية في تلك الدول العربية.
ذات الحال قد ينطبق على الدول الكبرى وبل والمجتمع الدولي برمته الذي بدوره في حيرة عظيمة مما يجري في بعض الدول العربية من حراك لمخاضات سياسية دراماتيكية لا يمكن التكهن بمنتجاتها ولا بمخرجاتها. فدعم أنظمة الدول قد تفقدها مستقبل علاقاتها مع حكومات الشعوب العربية القادمة، ودعم الشعوب قد تفقدها صداقات الحكومات الحالية معرضة للخطر مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية في تلك الدول.
اليمن ينخرط بكل معنى وقول في هذه المعادلة العويصة نظرا لما يعتمل في أحشاءه الاجتماعية والسياسية من مصادر خطر متطرفة وضعت بويضاتها فيه منذ أن غدا اليمن الوطن البديل لتنظيم القاعدة. هاهنا تصبح المعادلة أكثر غموضا وخطورة فالرئيس علي عبد الله صالح في اعتقاد الغرب هو الرجل الذي يثقون فيه في محاربة الإرهاب وتنظيماته في اليمن بل وحتى في القرن الافريقي.
لا مناص إذن من إثارة التساؤلات: كيف يمكن تخطي هذه العقبة الواقعية المنيعة؟ كيف يمكن ارضاء الشعب اليمني في ذات الوقت الذي لا تتخلى فيه الدول الغربية عن حليفها القوي في اليمن؟ وكيف يمكن تفادي تورط سياسي وعسكري أكثر وأعمق في اليمن، البلد الذي يصعب السيطرة عليه من قوى الخارج، إن لم يكن يستحيل على أي دولة في العالم أن تفرض سيطرتها عليه؟. هذا ما يقوله التاريخ وتؤكده الأحداث والحقائق، فاسم واحد من أسماء اليمن في الماضي كان “مقبرة الأتراك”.
لذا هل يترك اليمن لشأنه اليمني؟ هل يستمر العالم في التغاضي والتخوف والترقب؟ هل ينتقل اليمن قريبا إلى مرحلة جديدة؟ أم يبقى في ذات المرحلة؟ مرة أخرى ذلكم شأن يمني يقرره أهل اليمن.